فخر الدين الرازي
36
تفسير الرازي
السؤال الثالث : هل علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، أو لم يعلم ذلك بل كان يعتقد أن ذلك اللبث بسبب الموت . الجواب : الأظهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وذلك لأن الغرض الأصلي في إماتته ثم إحيائه بعد مائة عام أن يشاهد الإحياء بعد الإماتة وذلك لا يحصل إلا إذا عرف أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وهو أيضاً قد شاهد إما في نفسه ، أو في حماره أحوالاً دالة على أن ذلك اللبث كان بسبب الموت . أما قوله تعالى : * ( قال بل لبثت مائة عام ) * فالمعنى ظاهر ، وقيل : العام أصله من العوم الذي هو السباحة ، لأن فيه سبحاً طويلاً لا يمكن من التصرف فيه . أما قوله تعالى : * ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : اختلف القراء في إثبات الهاء في الوصل من قوله * ( لم يتسنه ) * و * ( اقتده ) * و * ( ماليه ) * و * ( سلطانيه ) * و * ( ماهية ) * بعد أن اتفقوا على إثباتها في الوقف ، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل ، وكان حمزة يحذفهن في الوصل وكان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله * ( لم يتسنه ) * و * ( اقتده ) * ويثبتها في الوصل في الباقي ولم يختلفوا في قوله * ( لم أوت كتابيه ، واقتده ولم أدر ما حسابيه ) * ( الحاقة : 25 ، 26 ) أنها بالهاء في الوصل والوقف . إذا عرفت هذا فنقول : أما الحذف ففيه وجوه أحدهما : أن اشتقاق قوله * ( يتسنه ) * من السنة وزعم كثير من الناس أن أصل السنة سنوة ، قالوا : والدليل عليه أنهم يقولون في الاشتقاق منها أسنت القوم إذا أصابتهم السنة ، وقال الشاعر : ورجال مكة مسنتون عجاف ( c ) ويقولون في جمعها : سنوات وفي الفعل منها : سانيت الرجل مساناة إذا عامله سنة سنة ، وفي التصغير : سنية إذا ثبت هذا كان الهاء في قوله * ( لم يتسنه ) * للسكت لا للأصل وثانيها : نقل الواحدي عن الفرّاء أنه قال : يجوز أن تكون أصل سنة سننة ، لأنهم قالوا في تصغيرها : سنينة وإن كان ذلك قليلاً ، فعلى هذا يجوز أن يكون * ( لم يتسنه ) * أصله لم يتسنن ، ثم أسقطت النون الأخيرة ثم أدخل عليها هاء السكت عن الوقف عليه كما أن أصل لم يتقض البازي لم يتقضض البازي ثم أسقطت الضاد الأخيرة ، ثم أدخل عليه هاء السكت عند الوقف ، فيقال : لم يتقضه وثالثها : أن يكون * ( لم يتسنه ) * مأخوذاً من قوله تعالى : * ( من حمأ مسنون ) * ( الحجر : 26 ) والسن في اللغة هو الصب ، هكذا قال